صديقي القطار شكرا لك

الجمعة 18 يونيو 2021 08:51 م
صديقي القطار شكرا لك
صديقي القطار شكرا لك
كاتب المقال
كتب -  د. محمد لبيب سالم استاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا عضو اتحاد كتاب مصر

 

 ما أجمل أن ترتدي زي خفيف أنيق يليق بالسفر، وتغلق ورائك باب مسكنك ملوحا له بإبتسامة العودة، ثم تخرج مرتجلا بين الناس تستأنس بهم حتي تصل إلي محطة قطارات المدينة لتأخذ مقعدا علي الرصيف منتظرا هذا الإختراع الكبير الذي نسميه القطار، ثم تفتح الرواية التي اشتريتها خصيصا لتقوم مقام الرفيق تقرأ بعض منها أثناء هذه الرحلة القصيرة في حياتك والتي لا تستغرق أكثر من ساعتين ذهابا وإيابا في قطار تعتقد بأنه لن يتأفف أن يحملك علي أحد مقاعده. وفجأة تسمع زفير القطار وهو قادم مسرعاً من بعيد وكأنه يستعرض عضلات عجلاته الصُلب فوق الرصيف أمام الركاب المنتظرين طلته علي أحرّ من الجمر. قد تشعر وكأنه أحد المتربصين بك وبأنه سوف يمر عليك مزمجراً ومُطلقاً عليك دخانه الأسود دون أن يتوقف متعمدا تركك في مكانك بلا حول ولا قوة. ولكنك تفاجأ بالقطار وهو يبدأ في تهدئة ثورته رويدا رويدا حتي يتوقف أمامك تماماً بكل أدب جم بلا صوت ولا حركة، حتي تركب بهدوء وكأنه جاء المحطة خصيصا لك أنت دون غيرك. تبتسم وأنت ترفع أقدامك من علي الرصيف لتدخل في جوفه باحثاً عن هذا المقعد الأثير الذي قدره لك القدر في رحم القطار حتي يلدك في محطتك الأخيرة مع بقية الركاب. تتحزك في رحم القطار باحثاً عن مقعدك بهدوء وسعادة، فيكفي أن تشعر بوجود ملكية خاصة لك في هذا القطار الهائل دون أن ينازعك فيها أحد. فما أجمل أن تكون متيقناً أن تأخذ حقك دون واسطة أو رشوة أو تملق أو تودد مقصود. شعور رائع لن تشعر به بملء روحك وصدرك إلا وأنت في قطار حجزت لنفسك فيه مقعدا. ولن استطيع أن أوصف لك مقدار السعادة عندما تجد مقعدك وتجلس عليه وتحتفل بحصولك علي حقك، فلابد وأن تجرب ذلك بنفسك، فالشعور باللحظة أكبر من الشعور بمعاني الكلمات. ثم يقرر القطار أن يتحرك ليُحَلق بك فوق شريطين حديدين يحتضنان عجلاته بقوة لن تشعر بها أو تراها إلا عندما يتوقف في الطريق ليأخذ باقي أصدقاء الرحلة. تنظر من شباكك سعيدا ومعجبا كيف لكتل من الحديد تجمعت وتشكلت سويا علي هيئة قطار أن تحملك في رحمها طوال رحلتك هكذا دون أن توقع عقدا معها أو تشترط عليك العودة مرة أخري، بل تركتك تنزل في محطتك الأخيرة بكل سهولة وترحاب وحرية تُحسد عليها. سوف يتملكك شعور الحرية هذا فقط عندما تكون مكاني وتجرب الرحلة وأنت تتعامل مع القطار كصديق. مع السلامة صديق القطار وشكرا لك حتي نلتقي قريبا… د. محمد لبيب