رحلة كفاح عمال التراحيل بطنطا والأعمال الشاقة في شهر رمضان

الأربعاء 30 مايو 2018 01:02 م
4
كتب - أسماء ربيع - هاجرالبلتاجي
مئات العمال يرفضون الاستسلام لطابور البطالة.. يقومون بالأعمال الشاقة.. وراضون بحظهم من الدنيا.. نار الفرن في نهار رمضان .. وشواية السمك رغم حرارتها قصة كفاح


 رمضان شهر البركة والخير والرحمات وهو موسم الطاعات والعبادات وتلاوة القرآن ، وخلال هذا الشهر الكريم نلاحظ وجود تغيير في كل شيء ، فمثلا نجد أن غالبية المصالح الحكومية تقوم بتغيير  مواعيد الحضور والانصراف للموظفين ، وكذلك نجد عدد كبير من المطاعم والمحلات تقوم بتغيير مواعيد الفتح والغلق ، كما نلاحظ أن عمال البناء نفسهم لا يعملوا إلا ليلا بعد الإفطار وذلك لمشقة عملهم ، وفي وسط كل هذه التغييرات نجد بعض الناس لا تتأثر مواعيد عملهم بدخول الشهر الكريم رغم أن أعمالهم متعبة وشاقة جدا ، خاصة خلال فترة النهار وارتفاع درجة الحرارة ، وفي نفس الوقت المواطن العادي البسيط لا يستطيع الاستغناء عنهم خلال فترة النهار تحديدا .

 ولكي نعرف أكثر عن هذه المهن وطبيعتها والعاملين بها ، والصعوبات التي تواجههم خلال فترة النهار وخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة والصيام نزلت كاميرا" المصير اليوم" للشارع في محاولة لرصد  هذه المهن الشاقة والإجابة على كل هذه الأسئلة.

عمال التراحيل في مدينة طنطا " بلد شيخ العرب السيد البدوي " يستيقظون كل يوم قبيل شروق الشمس، يبدأ يومهم عقب صلاة الفجر لحظة اختلاط ظلام الليل بخيوط النهار، علهم يرزقون ، ومبدأهم في الحياة " الساعة البدرية منسية " ولعل أن يعجب بهم مقاول أو صاحب عمل فيستعين بهم حتي يعودوا آخر النهار ومعهم قوت يومهم لزوجاتهم وعيالهم.

 الرصيف مأوي للغلابة وملجأ لعمال التراحيل

يجلس العمال علي الأرصفة بالساعات، منذ ساعات  النهار الأولي ،  انتظارا لفرصة عمل باليومية، فهم لا يملكون أسعار المقهي ، والكافتيريات ، يجلسون علي الرصيف في شارع الجلاء بميدان الأوبرا ، يعاندون شمس الصيف ويقهرون برودة الشتاء ،  طلبا  للشقاء ورغبة في أعمال شاقة ، يعجز عنها الشباب ،  لتوفير قوت يومهم وقوت عيالهم ، وكل أمالهم وطموحاتهم هو رزق يوم بيوم يصرف علي الطعام والشراب ، وأما العلاج فيحتاج لسلف ودين ، والملابس الجديدة فتحتاج لقروض موسمية لا يقدرون علي دفع أقساطها .

عمال التراحيل طبع علي وجوهم علامات الشقاء

"هذه يد يحبها الله ورسوله" كلمة قالها رسول الله صلي الله عليه وسلم لصحابي استحي أن يسلم عليه بعدما تشققت يده ، فما بالكم بمن طبع الزمان علامات الشقاء علي وجوههم بينما حفرت شقوق أياديهم وأرجلهم ، تعرفهم بالأسي المكتوب علي وجوههم أو حينما يلتفون حول سيارة  ملاكي وقفت بجوارهم فيسرع الجميع لعرض إمكانياته، بعضهم يعتمد علي أدوات صناعته، وبعضهم يعرض قوته الجسدية والبعض الآخر يستحي من وهن جسده وينتظر أن يناديه أحد من البهوات الباحثين عن العمال .

الأعمال الشاقة هي صناعتهم

الأعمال التي يعمل  بها  عمال التراحيل هي الأعمال الشاقة مثل نقل الأثاث ومواد البناء والهدم ، وخاصة حمل الرمل والطوب والبلاط ، وأعمال الهدم والتكسير في الخرسانات والطرق ، وحرث الأراضي بالفأس ، ورمي خرسانات في الأسقف التي لا تستطيع الميكنة الدخول إليها لضيق شوارعها، ويضطر العمال إلي حملها علي أكتافهم .

 عمال اليومية الرصيف جزء منا  وقوت يومنا منه

وما إن وصلت " المصير اليوم " إلي رصيف شارع الجلاء ، حتي هرع عمال التراحيل الذين جاءوا من كل المراكز والمدن المجاورة ،  والتفوا حولها مرددين "شغل يا بيه شغل يا بيه" وما إن أخبرناهم أننا صحفيون جئنا نسمع منكم مطالبكم حتي أصيبوا بخيبة أمل ورجعوا منكسرين الخاطر للجلوس علي الرصيف.

"محدش سأل فينا والدنيا بتغلي واحنا  بس بنرخص"  بهذه الكلمات بدأ عمال اليومية كلماتهم لـ " المصير"  وقالوا الرصيف أصبح جزء منا  ونحن جزء منه ولا نستطيع الاستغناء عنه فمنا من يجلس وأمامه معداته البسيطة ومنا من لا يستطيع ان يعمل الا بمجهوده فقط فبيننا الشباب والمسن والسيدات نجلس جميعا سويا من أجل حياة كريمة نعيشها حلالا طيبا وعندما يأتي إلينا أي مواطن ليطلب أحد منا نتهافت عليه بنظراتنا ظنا أنه سيختار منا أحد  ويتم الاختيار حسب الاتفاق أو ينصرف دون أن يصطحب منا أحد فينكسر بداخلنا حلم قوت اليوم وننتظر غيره وغيره حتي يأذن الله أن يرسل رزقنا مع آخرين.

عامل باليومية نعمل يوم.. وشهر لأ.. وراضيين

وقال محمود عبد الله مبيض محارة 45 سنة  أجلس وسط العمال علي الرصيف فى انتظار أن يأتى مواطن أو صاحب عمل ليستعين بى فى تأدية عمل يطلب منى بالمقابل المادى الذى يقدره صاحب العمل  وأجلس لأيام بل أسابيع دون أن يطلبنى أحد للعمل وأعود إلى أسرتى فى هذه الأيام بلا نقود  وكثيرا أعود إلي منزلي كما خرجت مكسور الخاطر .


عامل يومية: "سيبوني باللي أنا فيه"

رفض ذكر اسمه وهو جالس علي الرصيف لا يعلم ما بداخله إلا المولي فعندما اقتربنا منه قال "سيبوني باللي أنا فيه يجلس ململما جلبابه ويظهر علي ملامحه  حالة من اليأس وعندما اقترب منه أحد الأشخاص طالبا أحد العمال لتكسير حائط فى منزله بدأت ملامح الرجل تتغير وبدأت الابتسامة تتشكل على وجهه وكأنه يشعر أنه سوف يعود الى أبنائه وهو يحمل لهم بعض الجنيهات.

نرضى بأى شغل عشان مصاريف الحياة

بينما قال عبد اللطيف الحنفى نجار مسلح: كل المهن فيها ركود ومفيش أى شغل بسبب ارتفاع مواد البناء لهذا جئت هنا وأعمل فى أى شىء يطلب منى سواء ردم او هدم او محارة وأى عمل يطلب منى سوف أقوم به المهم أن أعود الى بيتى بما يكفيه فكثير منا ساكن بالايجار مضيفا أن هناك بعض العمال من أصحاب المعاشات ولأن المعاش لايكفيهم فقدوا اتوا الى هذا الرصيف للبحث عن جنيهات تسترهم وتستر أبناءهم من حاجة الدنيا فالمصاريف أصبحت نار.

قصة كفاح خلف شواية السمك
وفي  محل لبيع الأسماك ، لفت انتباهنا شخص يقف أمام الشواية لا يتحرك ، ولا يقوم بأي مهمة أخرى في المحل سوى شوي السمك ، حيث أكد أمين السيد وهو يعمل بشوي  السمك  ، أنه يقف أمام الشواية منذ الساعة الثامنة صباحا وحتي السادسة مساءا ، وذلك خلال شهر رمضان، وأحيانا يتناول الإفطار في المحل علي حسب ضغط الشغل و كم العمل المطلوب منه.

كما أضاف أن الطلب جيد علي الأسماك في نهار رمضان و لا صحة لما يتردد حول عدم تناول الأسماك خلال شهر رمضان، لأنها تسبب العطش.
 
وأكد أنه يشعر بالعطش نظرا لارتفاع درجة الحرارة ، بالإضافة إلى حرارة الشوي ، لكن ربنا بيقوي ، مشيرا أنه يعمل بهذه المهنة منذ عام 1990 ، وأنه اعتاد علي العمل فيها ، ولذلك فهو يتحمل الوقوف أمام النار بالساعات ، مضيفا أنه تخصص في العمل علي الشواية لشوي السمك فقط وأصبحت مهنته، رغم أنه خريج كلية تجارة دفعة 2004 شعبة إدارة أعمال ،وبالرغم من ذلك فهو يحب هذه المهنة ولا يجد مهنة أخرى سواها، كما أنه يحب السمك أكثر من التجارة حتي أصبح إدمان بالنسبة له
أوضح أن رمضان هو شهر الخير والبركة ،ولذلك فالعمل فيه كثير، خاصة أن جميع الزبائن يريدون استلام طلباتهم في نفس الموعد تقريبا ، وبالتالي يزداد الضغط من بعد الساعة 5 تقريبا ، هنا أحاول تنظيم الطلبات بحيث تقل فترة الضغط والعمل بمبدأ المساعدة المشتركة بيني وبين الزبون .
كما أوضح أن أغلبية الطلبات تزداد من بعد العصر حتي المغرب والعامل الجيد هو من يستطيع أن يمتص غضب الزبون بطريقته وأسلوبه الجيد ولكن إذا كان عصبي سيتصاعد ويتأزم الموقف أكثر، مؤكدا أنه يحاول تجاوز هذه المواقف ، فعلى حد قولة بنتحمل الزبون والزبون بيتحملنا أحيانا هكذا تمر هذه المواقف.

أما عن محمود رضا وهو يعمل أيضا بذات المحل، ولكن يقوم بقلي السمك، وذلك على حسب الطلب ،كما يساعد أيضا في أي عمل آخر مطلوب في المحل كالتنظيف أو تدوين الطلبات، موضحا أنه يعمل في هذه المهنة منذ صغره ومعتاد عليها
وقال أن الفرق بين العمل في رمضان عن غيره من الأيام العادية أنهم مضطرين لتسليم جميع الطلبات قبل المغرب ويضطر لتحمل الضغط ، مشيرا أنه يعمل كل يوم منذ الساعة الثامنة صباحا حتي الخامسة عصرا.

عمال يتحملون نار الفرن في نهار رمضان حتي نحصل علي الخبز

انتقلنا بعد ذلك لأحد المخابز والتي تعتبر من المهن الشاقة أيضا والمتعبة خلال فترة النهار في شهر رمضان ، ودخلنا للحاج علي شومان وهو صاحب فرن عيش بلدي ، ويبلغ من العمر 73 عاما، والذي أكد أنه يعمل بالمهنة منذ عام 1960 تقريبا ، مضيفا أن هذه المهنة ورثها عن آبائه و أجداده ، و أنه كان يملك فرن بمنطقة الساعة وذلك خلال فترة السبعينات، وأنه لا يستطيع الآن أن يعمل بالفرن نظرا لكبر سنه، وإصابته بمرض السكر الذي جعله أسير الكرسي المتحرك، ونظرا لوضعه الصحي فهو يباشر العمل من خارج الفرن ، بينما يعمل به أبنائه الثلاثة وكذلك أحفاده
أضاف محمد شومان أنه يعمل في الفرن بقسم العجن وذلك منذ 20 عاما ، وأن حركة البيع والشراء ضعيفة في شهر رمضان بالمقارنة بباقي الأيام خارج رمضان
وقال خالد شومان وهو خريج كلية الحقوق ، أنه يعمل بقسم الخبز ، أي يضع العجين في الفرن ، وذلك منذ 15 عاما ، مشيرا أنه يعمل منذ الساعة 8 صباحا وحتى 3 عصرا ، وأنهم يتوقفوا كل فترة للراحة ، مضيفا أنه اعتاد على الوقوف أمام الفرن قائلا ربنا بيعين كل شخص على أداء مهنته ، فرجل الشرطة مثلا يقف في الشارع وتحت أشعة الشمس الحارقة ليخدم المواطن.
أضاف أنه لم يحصل على فرصة عمل أفضل لكي يترك هذه المهنة ، مؤكدا أنها مهنته الوحيدة التي يأكل منها وأسرته ، حيث أن لديه من الأبناء ثلاثة ، وزوجته ربة منزل ،وبالتالي إذا توقف عن العمل بسبب ارتفاع درجة الحرارة والصيام وظروف الشغل فلن يجد ما يقتات به وأسرته، أو على حد قوله  "مش هنلاقي نأكل عيالنا "