ثَمَانِي وَرْدَاتٍ عَلَى قَبْرِ أَبِي

السبت 03 مارس 2018 - 06:36:55 م
البيومى عوض

ثَمَانِي وَرْدَاتٍ عَلَى قَبْرِ أَبِي
.
(1)
أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى حِمَارِنَا الأَبْيَضِ ..
أَشْعَلَ سِيجَارَتَهُ اللَّيْلِيَّةَ ..
وَبَدَأَ يَحْكِي ..
كُنَّا نَرْتَعِشُ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ القَارِسِ؛
أَنَا فِي الأَرْضِ ..
وَالقَمَرُ فِي السَّمَاءِ ..
وَكَانَ مَا يَرْوِي ضِفْدَعٌ وَمَاءٌ: أَكْثَرَ مِنْ حَنُونَيْنِ نَهَضَا ..
هُوَ: دَثَّرَنِي بِعَبَاءَةِ صُوفِ الحَكَايَا ..
دُخَانُ سِيجَارَتِهِ الأَزْرَقُ: تَشَكَّلَ كَهْفاً دَافِئاً دَخَلَ فِيهِ القَمَرُ.
.
(2)
انْتَهَيْتُ مِنْ إِعْدَادِ ( الجَلْهِ ) ..
قَسَّمْتُهُ أَرْبَعَةَ بُيُوتٍ ..
أَعْلَيْتُ حَوَافَّهُ المُحَاذِيَةَ لِتُرْعَتِنَا الصَّغِيرَةِ ..
سَوَّيْتُ أَرْضِيَّتَهُ ..
جَرْجِيراً كُنَّا سَنَزْرَعُهُ ..
أَعْطَانِي كِيسَ البُذُورِ .. وَقَالَ لِي: ابْذُرْهَا ..
كَرِيمَةً جِداً كَانَتْ يَدِي ..
أَنْهَيْتُ الكِيسَ فِي بَيْتَيْنِ اثْنَيْنِ ..
بَقِيَ اثْنَانِ يَشْتَكِيَانِ العُرْيَ ..
رَجَعْتُ إِلَيهِ كَاسِفَ الجَبِينِ ..
رَآنِي .. تَبَسَّمَ ..
قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ يَدَكَ الكَرِيمَةَ سَوْفَ تُوَرِّطُكَ ..
أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ ( السِّدِيرِي ) كِيساً آخَرَ ..
وَقَالَ لِي: خَبَّأْتُهُ لِانْحِنَاءِ جَبِينِكَ هَذَا ..
وَقَالَ لِي:
زِنْ يَدَكَ .. وَارْفَعْ عَيْنَكَ .. عَيْنٌ تَقِيسُ .. وَيَدٌ تَقْسِمُ ..
وَقَالَ لِي:
الأَرْضُ كُرَّاسَتُكَ السَّوْدَاءُ .. وَأَنْتَ كَاتِبٌ .. فَابْرِ قَلَمَكَ .. وَحَسِّنْ خَطَّكْ.
.
(3)
لَمْ أَعْرِفِ الخَوْفَ إِلَّا يَوْمَ هَدَّدَنِي بِقَطْعِ رَقَبَتِي
إِنْ لَمْ أَكُفَّ عَنِ الصَّخَبِ وَاللَّعِبِ
عَلَى شَطِّ التُّرْعَةِ الغَوِيطَةِ المَلْآنَةِ بِالمِيَاهِ الجَارِيَةِ
كَانَ يَجْمَعُ ( البَامْيَةَ ) مَعَ أُمِّي فِي الفَرْدَتَيْنِ عَلَى رَأْسِ الأَرْضِ
تَحْتَ شَجَرَةِ الجِمِّيزِ العَتِيقَةِ.
..
..
يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ كُنَّا نَجْمَعُ ( البَامْيَةَ ) ..
يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ كَانَ أَبِي يَتَمَلَّى فِي الخَطِّ جَنْبَ أُمِّي.
.
(4)
طُولَ الطَّرِيقِ إِلَى المَدْرَسَةِ ..
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ..
وَقَبْلَ طَابُورِ الصَّبَاحِ .. يَلْتَفُّونَ حَوْلَهُ كَالأَسَاوِرِ ..
يُسَمِّعُونَ عَلَيْهِ الأَلْوَاحَ القُرْآنِيَّةَ ..
فَيَقْرِصُ أُذْنَ هَذَا .. وَيَمْسَحُ رَأْسَ ذَاكَ ..
يُسَلِّمُ عَلَى شَجَرَتَيْنِ فِي نِصْفِ المَسَافَةِ ..
يُقَبِّلُ يَمَامَةً عَلَى فَرْعِ إِحْدَاهُمَا ..
هَدِيلاً تُكَلِّمُهُ ..
عِند المُنحنى .. يلبسُ الضبابَ
وبرشاقةِ المشتاقينَ ..
بدُهْنِ عَيْنَيْهِ يدهنُ خَدَّ السَّمَاءِ ..
وَلَا تَكُفُّ ابْتِسَامَتُهُ عَنِ التَّلْوِيحِ لِحوريَّةِ المَطَرِ ..
..
..
رَاعِياً صَالِحاً كَانَ أَبِي ..
كَانَتِ اليَمَامَةُ أُخْتَهُ الصُّغْرَى ..
وَكاَنَ تَلَامِيذُهُ أَغْنَامَهُ .. وَبِيَمِينِهِ كَانَتْ عَصاً مِنْ نِعْنَاعٍ وَحَلْوَى.
.
(5)
يَوْمَ خَلَعَ قَمِيصَهُ أَمَامِي ..
عَدَدْتُ بِسُهُولَةٍ بَالِغَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ نَخْلَةً ..
قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فِي صَدْرِهِ ..
مِن تحتِها يَجري دمٌ نحِيلٌ.
.
(6)
أَسَرَّ فِي أُذُنِ الشَّجَرَةِ حَدِيثَيْنِ:
وَاحِداً مِنْهُ بَكَتْ
الثَّانِي مِنْهُ ضَحِكَتْ
وَقَالَ لِي إِذْ كُنْتُ الشَّاهِدَ: صُنْ سِرَّ أَبِيكَ. لَا تُفْشِهِ إِلَّا بَعْدَ صُعُودِي.
.
(7)
قُلْتُ لِمَقَامِ الصَّبَا:
جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْكَ ..
تعالَ ..
إِنَّ الجَمَالَ افْتَتَحَ بِحَارَ الحُزْنِ بِصَدْرِ سُورَةِ المُلْكِ.
.
(8)
خَمْسَةً وَخَمْسِينَ عَاماً عَاشَ أَبِي
أَلْفَ فَدَّانٍ مِنَ المُوسِيقَا زَرَعَ
أَلْفَ سَمَاءٍ ضَاحِكَةٍ سِراًّ صَرَّهَا فِي كَفِّ جُوعٍ أَحْمَرَ
أَلْفَ بَحْرٍ مِنَ الكَهْرَمَانِ ..
لَضَمَهَا سِبْحَةً لِلزَّاهِدِينَ وَالعَارِفِينَ
وَ ..
_ اشْتَغِلُوا .. (قَالَ لَهُمْ)
..
..
خَمْسَةً وَخَمْسِينَ نَاياً يَقْطُرُ دَماً
وَرَحَلَ
حَافِياً إِلَّا مِنْ رَائِحَةِ النِّعْنَاعِ وَالتُّرَابِ وَالمَطَرِ.

شعر د / البيومى عوض